الخميس، 17 أكتوبر 2019

ما لم يقله ميلر 3

تمرر أناملك بين أزرار لوحة المفاتيح تستنجدها، تبحث بينها عن كلمة تصل الأخرى لتسطر فِقرة. ليست الازرار بخيلة لكنك الفقير إلى أي حديث. هذا الغياب المبجّل للكلام الشبيه بانتهاء بطارية شحن الهاتف. أن تجحظ أمام شاشة حاسوبك أو هاتفك فهذا هو انذار نفاد بطارية أفكارك. 
ربما تلزمك العودة إلى ذاكرتك. ذاكرتك الطرية على الأقل. انظر إلى ما في جعبتك من حصاد لهذا النهار. لا شيء. الذاكرة فارغة ايضاً. ثمة رد مقرف: " لقد تمت فرمتة الذاكرة." 

عليك أن تقهقه كقرد الغابة الجذل. كيف يمضي نهارك وتنقلاتك دون ان تحتفظ بشي يصلح للكتابة؟ 
انها غفلة المؤمن. 
ولكن هل الكتابة ضرورية؟ 
ممممم 
زم شفتيك جيدا ومطهما وهمهم. 
يجري تمرين الكتابة على طريقة جمع الكمأ في الغابة اللدنة، حيث لون الارض كلون الكمأ. 
تخيل! تستدعيك الحاجة إلى الذهاب إلى الغابة بغية جمع الكمأ قبل الغروب بقليل. 
عليك أن تضحك. لا تتوقف عن الضحك. هذا المشوار هام جدا في حياتك. ستعود بقليل من الكمأ إن كنت شاطراً أو محظوظاً. ليس مهما الفارق بين الشطارة والحظ. وينطبق الأمر تماماً على أشياء كثيرة، أكثر أهمية كاقترانك بحبيبة. هل الأمر شطارة أم حظ؟ لا باس سنعود إلى الكمأة هذا أيسر خوضاً من الحبيبة. أن تعود خالي الوفاض فهذا درس بالغ. إذ ليس بالضرورة أن تكون رابحاً وتجد ما تبحث عنه. ثم إنك ذهبت إلى الغابة. أنت لم تخض غمار البحر الهائج. أنت كنت في نزهة. هكذا تعامل مع الهزيمة. هزيمة؟ 
نعم هزيمة. أن تعود فارغاً من كل شيء. فارغ من الأمل ايضا. لكن النزهة في الغابة وإن كانت عرضية هي أيضا أمر يستحق الاشادة والاحتفاء. الغابة وقت الغروب تعزز المخاوف وتشعرك بأنك طفل ضل الطريق ولم يعد يسمع لنداء أمه الباحثة عنه. في الغابة وقت الغروب تأتيك استيهامات غريبة. كأن تشعر بان الحشرات تدب على ساعدك أو البعوض يلدغك في الساق. أحيانا تتوهم أن الحذاء تمزق من الجانب أو أنه مفتوح بالمرة. في الغابة يتكوّم الخيال المرضي كثيراً.


في الغابة تذكّر أول النهار، تذكّر أكواز الزيزفون في أول الربيع. تذكر شجرة الجهنمية وهي تبتذل عرض مفاتنها الملونة.

22 ابريل 2015

فيينا الارجوحة


فيينا المدينة في شقيها أرجوحة تتنقل بين معمارين أحدهما حديث فظ أرعن هو الشق الحديث المحاذي للدانوب وأكثر ما جعله بشعاً هو منظر السكة الحديدية المارة أسفل مبنى الامم المتحدة والآخر هو المدينة القديمة الذي يختلط معمارها بنمط عصر النهضة والقوطي حيث القصور الموشاة بنوافذ ونقوش وبروز تخفف من حدة الوجهات وقدرتها على الادعاء والصرامة. 

تبدو الحياة قسرية الانضباط ويعكس الفن المعماري تأنقا وفنقا ومثابرة. 
حول الأوبرا لا يمكنك إلا أن تتساءل: كيف لمدينة كهذه أن تحتوى على كل هذا الجمال ؟ 
تندهش أكثر حينما تتنقل بين الساحات حيث نصب تذكارية تقف أو تجلس بجمود وأبهة لعباقرة في الفن والفلسفة. 
تخيل ان تجلس عند أقدام غوته. يا لها من سكينة! 
أن تزور هذه المدينة يوماً أو يومين أو أكثر قليلاً فهذا استخفاف تام بالقدر من لَّدُنك. كأن عليك ان تبتهل عندما تطأ قدمك المطار داخلاً: اللهم ثبت اقدامنا! 
في الربيع والصيف تتحول المدينة إلى مسرح مفتوح، إلى منصة اوبرالية فاتنة. 
ستصل قريب الفجر وتأخذك سيارة من المطار إلى مسكنك. لن تتأخر في الوصول فالمسافة ليست بعيدة. تنتظر شروق الشمس وتتطفل على الشارع من النافذة من بين طبقات من الستائر. ثم تهرع مسرع إلى منتصف الشارع. أين أنت تحديداً؟ زماناً ومكاناً؟ 
تقف قزما بين أحجار نرد مزينة عملاقة لامعة تتراص بحذاقة شديدة. أنت في المرحلة الفاصلة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. 
للتبغ والقهوة والشوكولا مذاق اخر ولأجراس الكنائس قرع عميق. يا نداء السماء وزركشة فساتين الأميرات وقبعاتهن! رفقاً! 
قبل هذا، ومرة اخرى، ليست المدينة إلا الصحب.
 21 ابريل 2015


شيطنة الاطراف. نربح الحرب ونخسر الوطن

جعلنا من طرف يمني ما الشيطان عينه وتواطأنا حينما تركناه فريسة سهلة لقوة غير الدولة. 
عندما اقول نحن فأنا أقصد الجميع، من أعلى هرم في السلطة حتى أبسط شخص.  كنا نتشفى - تحت تأثير أحقادنا الواهمة كثيراً وبدافع موجة إقليمية- بتخلص الحوثي من الإصلاح. كنا نردد وبلا أدنى ضمير أو عقل أن للإصلاح جناح قبلي وعسكري وهذا خطر كبير وكأن الآخرين كانوا رهبانا في التيبت أو جماعة الخضر في أوروبا.  هذه بيئتنا السياسية منذ أن نشأت الدولة القومية الشائهة. حتى الحزب الاشتراكي المشلول كان له جناح عسكري هي دولة الجنوب.  وبدل ان نأخذ بيد الجميع إلى مضمار السياسة حيث جدل الأفكار تركنا الإصلاح والحوثي في حلبة صراع دموي وكأنهم ليسوا يمنيين. وفي استجابة لئيمة إقليمية للتخلص من الاخوان خذلنا يمنيتنا.  حتى أن كبار مثقفينا أخذوا يمتدحون تلك التصفيات وقال أحدهم إنه إن لم يكن للحوثي من حسنة ما فإن أكبر فضائله هي التخلص من الإصلاح وحلفائه في مناطق شمال الشمال.  كنا نُنظّر للخيانة الداخلية ولم نكن نرى أبعد من أنوف أحقادنا وتجاهلنا ثمن حفلة الجنون تلك.  نسينا أننا خطونا ما تبقى من ٢٠١١ و٢٠١٢ و٢٠١٣ بفضل توازن القوى أو توازن الضعف وأن أي اختلال في تلك المعادلة لا يقود إلى تأسيس دولة مواطنة هو انتكاسة وطنية كبرى.  قلنا : المعارك في إب هي ايضا مع الإصلاح وتارة مع القاعدة والدواعش والتكفيريين. المعارك في تعز هي ايضا مع الإصلاح. المعارك في عدن هي أيضا مع الإصلاح والتكفيريين.  لا يمكن نكران البنية الخاصة للإصلاح وهو لا يختلف مع المؤتمر مثلا. لكنه كان حزبا سياسيا وبدأ جناحه السياسي يتقوى أكثر فأكثر. كان الزنداني يتوارى أكثر فأكثر ويركن في قسم التالف.  رقصنا على وقع الحروب التي نالت من الجيش. وقبلها طبعاً كان الإصلاح يشيطِّن طرفاً في الجيش وقد ذاق من نفس الكأس.  المهم تشظى الإصلاح وأكثر طرف تشظى فيه هو التكتل السياسي.  اليوم يتحدث البعض عن خيانة وعملاء.  ما يحدث هو أن كل حلقة تكمل الأخرى. وها هو الزنداني يعود للواجهة ويحيا من جديد. صحيفة الشرق الأوسط تنشر حديثا لعضو في الإصلاح قريب من الزنداني يتهم القيادة السياسية للإصلاح بالتخاذل في مواجهة الحوثي ومنع ٤٠ ألف مقاتل من مواجهة الحوثي ويهددها بالعزل والمحاكمة.  ليست السعودية ترضى عن الإصلاح بوجهه السياسي.  وعموما خسرنا السياسة وربحنا الحرب والدمار. وهناك من لم يفهم الدرس وما يزال يكرر الحرب هي مع الإصلاح والتكفيريين.


21 ابريل 2015

كيف هي صنعاء الليلة؟

ترى كيف هي صنعاء الليلة؟ 
انها فاجعة الفجائع. 
لي أهل واصدقاء وأحبة هناك ولست أجرؤ على الاتصال بأحد منهم . فماذا اقول لو اتصلت؟  "الو ! هل متم أم ليس بعد؟" عاشت عدن نفس المشهد قبل أسابيع قليلة وكانت الحصيلة المباشرة لانفجارات مخازن السلاح أكبر مما حدث في صنعاء.  لكني -ومثلي فعل معظم اليمنيين - وبكل جبن ولا اكتراث غضضت الطرف عن عدن وفاجعتها ربما لأن الفاعل كان محليا.  الأخوة الأعداء في اليمن!  هذه الحرب ليس كرمي الجمرات في الحج.  هذه حياة بلد وشعب برمته. كما أن الألم اليمني لا يتجزأ ولا يتغير لونه كما هي الدول والمناطق في الخرائط السياسية فالقتيل في صعدة كالقتيل في مأرب وتعز وعدن. والطفل المذعور صنعاء كالطفل المذعور في الضالع. فهل يُفهم الدرس؟


20 ابريل 2015

تحذير

تلج اليمن في وضع انساني كارثي غير مسبوق. ولا يلوح في الأفق أي حل سياسي. تشتد ضراوة الاقتتال الداخلي في كل بقعة وكل محافظة ويتكاثف القصف ويزداد قوة تدميرية. مخزون البلاد من السلع الأساسية محدود ولا يمد أكثر من ثلاثة شهور. اليمن لا يغطي من انتاجه من الحبوب سوى أقل من 10% من الاحتياج ويعتمد 100% على الخارج في تلبية احتياجه من الأرز. لا توجد انهار والزارعة تعتمد على الأمطار واجمالي الارض الصالحة للزارعة تمثل 3% من اجمالي الاراضي.
البلد يعيش على تحويلات المغتربين وعلى المساعدات والثروات الوطنية محدودة الاستثمار والعائد وهي في هذه اللحظة موقفة تماما.
كل التقارير الدولية تعتمد الرقم 24 مليون نسمة في تحديدها لسكان اليمن بينما هذا الرقم مضى عليه قرابة عشر سنوات ومقدار الزيادة السكانية أكثر من 500 ألف نسمة في العام الواحد. أي أننا أمام خمسة مليون نسمة لا يؤخذون بالحسبان، بالتالي احتياجاتهم أيضا هي الأخرى لا تؤخذ بالحسبان.
يوشك الوضع في اليمن ان يتحول الى فتيل اشتعال لحرب اقليمية أوسع وأكثر دماراً اليمن هي الساحة الأمثل لكل هذه الحروب.
بعد أسابيع قليلة من الآن لن يكون الشعب اليمني العظيم عظيماً ولا الصبور صبوراً. سيكون مشرداً هائما محكوم عليه الموت غرقاً في البحر لمن أراد الهرب حيث الجغرافيا تحاصره أيضا أو موت جوعاً بسبب المقامرات والمكابرة.
أي حل لا ينظر إلى جذور المشكلة هو حل كاذب وغير مسؤول. فضلا عن ذلك فان الشرخ الاجتماعي وتمزيق النسيج الاجتماعي بلغ أشده.


20 ابريل 2015

"عطان" لا يعني لأمي الكثير


بعد خمسة ايام تمكنت من الحديث إلى أمي عبر الهاتف في قريتها البعيدة. 
صوت أمي وجل وهي تخبرني عن نمط حياتها الجديد. عادت في هذا العمر إلى جلب الماء من البئر. تتحدث أمي بقلق شديد لأن مخزونها من الحبوب يوشك على النفاد قريباً بينما لا تتوفر كميات جديدة من القمح في السوق. غياب الكهرباء لا يفرق عندها كثيراً فهي في بيت بلا ثلاجة ولا رافعة مياه ولا غسالة ملابس ولا عصارة. بيت بتلفاز ينقل لها اخبار العالم المفزعة لا أكثر.  يزداد قلقها لأنها لم ترَ أبنها الغائب في صنعاء منذ أعوام ومنذ أكثر من أسبوع لم يتصل ولا تعلم إن كان ما يزال على قيد الحياة أم لا.  أمي ليست خبيرة جيوسياسية لتكره التحالف أو تناهض إيران وليست عضوة في مكتب سياسي لحزب ما.  لكنها تعرف جيداً أن الحوثيين اقتحموا المدن وأثاروا الهلع والموت. وهي لم تكن تبغض الرئيس صالح لأنه من سنحان وأظنها صوتت له مراراً. أمي ليست مناطقية وهي لا تعرف على أي مذهب هي.
أظن أن أمي لا تأسف على الأسلحة التي تقصف في جبل عَطَّان أو معسكر الصُباحة. لكنها تعلم جيداً أن السلاح يجلب الدمار والتشرد وما تزال تتذكر جيداً عندما نزح إلى قريتنا أبناء الأقروض قبل أعوام عندما شن الجيش حملة عسكرية عليهم. 
تكره أمي السلاح. وتخشي من التفجيرات ويروعها القتل أينما كان وتشدّ على رأسها بكفيها كلما سمعت موت أو قتل في أية بلاد وكانت تتألم كثيراً منذ أعوام لأن هناك حرب في صعدة. وتقول مستجيرة: يا ظُلمة على الناس والحرب تدكهم! 
تنظر أمي بهلع وعجز إلى كيس القمح المتناقص وترفع عينيها إلى السماء لكنها لا تتنطع في الشكوى لأن 


تعرف أمي أنهم يتحدثون عن تدمير القصر الجمهوري أو قصر الشعب في تعز. تتصور القصر كديمة من ديمها، تلك المخصصة للأغنام. أمي لا تعرف القصر ولم تزره ولم تستظل تحت أشجاره او تنعم بحديقته ولا بأضوائه في المساء. 

17 ابريل 2015 

ما لم يقله ميلر 2

أرأيت إن غادرنا شعابنا حيث كنا نزرع الذرة الحمراء ذات السيقان الرفيعة وطماطم الكرز الصغيرة وجزائر الحبق!؟ 
كانت ربعنا الندي وترابنا الأملودي بعد المطر. 
كانت السنابل لبنية قبل النضوج تتماور بين أيدينا وتتماوج بغنج الريح عند الأصيل وقبل الشروق الفاضح.  من يعود بنا إلى أحلامنا الغضة؟  شعاب الله حصيم ولا مطر.  غادرناها ونسينا المِعوَّل مغروساً إلى سفح التِلم الأول من الجدار حيث كنا نستند إليه من فرط الضحك.  اتخيلني الآن اتوسد جذع سدر خشن فظ. أخشى اشواكه الباسمة كخشيتي الوحدة والبين الأعجف.
م. ن


ما لم يقله ميللر - ٢ 

17 ابريل 2015

الحب بين علم الاعصاب والعلوم الإنسانية

الحب بين علم الاعصاب والعلوم الإنسانية (مقال مترجم من الفرنسية) ترجمة مصطفى ناجي الجبزي افتتح في شهر أكتوبر من العام المنصرم معرض استث...