الأحد، 8 أبريل 2018

لعبة الموت او امام قبري احمد وعبد الله



مر عام، عامل كامل على رحيلهما؛ احمد وعبد الله. عام بتوقيت هذه الشمس، اما بتوقيت القلب فالمسألة مختلفة تماما؛ انها عقارب البين والفقد هي التي تدور في الثنايا.
لم تتح لي فرصة كبيرة لمعرفة عبد الله وان كان ابن قريتي ويصغرني قليلا في السنين لكني عرفته هادئا كالبحر متسامحا ساميا كالسماء. كنت اذ التقيه أجد نفسي في سكينته وفلسفته الصوفية الزاهدة. 
بينما كان احمد صديقا وأخا وابنا. على الأقل مع احمد رضعنا نفس اللغة –الفرنسية-والهم والأفكار. 
قبل أشهر ذهبتُ إلى قبريهما كل على حدة. كان القبران متباعدين. ما هذا؟ لقد ماتا في الحادث المروري نفسه. جمعهما الموت/القدر وفرّقت بينهما أيدينا. المسافة بينهما اقل من كليو متر او أكثر بقليل. أظن انه وضع لا يسمح لهما باستمرار الثرثرة حول خيباتنا وهزائمنا ونكرانا لهما. لن يكون بمتسعهما النميمة حولنا. 
تقف أمام القبر، تقرا الاسم جيدا، وتنظر في الشجرة التي تنمو الى جوار الشاهد. تتكور الكلمات غصةً في الحلق ويغدو الصمت أمير اللحظة. من غير المجدي أن تبكي أمام ضريح من تحب. عليك فقط أن تبتسم وتنكر اللحظة فقط لو استطعت: تمازح المصير البائس وتنادي صاحبك: هيا! اخرج. بالله يا رجل! اخرج! لقد سئمتُ هذه اللعبة. يكفيك "غُمَّاية". اخرج. ها انا قد اتيتك في الصباح الباكر. الجو رائع هذا الصباح والطل وافر على الأشجار. الأرض ندية يا احمد. أنت لا تخشى الضوء. أليس كذلك؟ 
تقف متسمرا تنتظر ان ينتفض هذا المأوى الصغير ويخرج صديقك يضحك بصخبه المألوف عند كل شَرك أو "قفشة". 
لا باس . لم يخرج هذه المرة. ربما يجدر بك العودة لاحقاً. بعد عام، بعد عامين او ان تأتي لتلعب معه اللعبة ذاتها.

الاثنين، 2 أبريل 2018

هيلين في تونس




تعلق الأحداث في ذاكرة المرأة على نحو سحري. وكما يكون التخزين بعناية يكون الاستحضار والسرد. تبدو ذاكرة المرأة كصندوق من خشب اللوز مدهون ومزخرف مخصص لحفظ وثائق العقار في منزل إقطاعي كبير منضبط سبق وعمل في السلك العسكري ردحا من الزمن.
الأوراق ملفوفة متراصة تفوح منها رائحة العطور الزيتية. انها كسب السنين وهكذا هي الذكريات بالنسبة لسيدة شب البنين والبنات وذهب كل واحد منهم في سبيله ولم يتبق لها الا ان تربي هذا الشجن. 
هذا ما كان ينضح به وجه جابريا، السيدة الستينية، إسبانية الحروف وبلمسة امريكو لاتينية مع ملمح عربي غابر. ليس ما يثير فيها هو تفخيم الحروف فقط. بل كذلك تبجيل الشكر ورطانة الشكوى والأنين المصاحب للتذمر. 
تعمل في مطعم صغير في حي فرعي في أحد أحياء الميسورين في باريس. تستقبل المرتادين بأدب القسيسات وحفاوتهن. 
كانت تحكي لرفيقتها ضخمة الحجم والصوت عن زيارتها الأخيرة إلى تونس حيث تحب ان تقضي إجازتها السنوية كل عام منذ عقود. لعلها احبت تونس لاستقرار الظن ان شطرها العربي يأتي من هناك. 
تكلمت عن وليد، بايع الشيلان الحريرية الذي تعرفت عليه ذات زيارة قبل دهر وما يزال يرسل لها ببطاقة بريدية في عيد ميلادها ويكتب بفرنسية ركيكة : مامي! صحة دايمة وعمر مديد. 
كم هي حنونة هذه الرسالة القصيرة!؟ 
تنعم جابريا بحس المكان جيدا وهي تتصفح في بصيرتها شوارع العاصمة تونس حيث نصب مهيب لبابا بورقيبة. هكذا تقول: بابا بورقيبة. وكأنها صبية في الثامنة تنتظر منه قبلة حانية وحلوى القادم من السفر. 
انها جابريا او هيلين، بوجه مستدير سافر عن تعب السنين مفروقة الشعر الذي تطوق خصلاته الأمامية وجهها الى حيث ملتقى الفكين. تتحدث ورأسها تميل وهي ترزح تحت وطأة احلام الصغر التي صارت ذكريات معبئة في أواني البوح النحاسية.

عسكري لا يجيد القراءة

في المسافة الفاصلة بين محطة القطار وقصر فونتين بلو قادمين من باريس اخذنا حافلة عمومية. ظللنا واقفين أنا ومروان نتحدث بصوت مرتفع عن اليمن المنكوب بالجغرافيا وغباء العسكر وجنود الرب.
كنا على مقربة من باب المنتصف في الحافلة وكنا نقف على رأس سيدة عجوز ما انفكت تنظر إلينا فبادرتها بالحديث: معذرة سيدتي. يبدو اننا ازعجناكِ.
لا. لا بأس. هل أنتما إيطاليان ؟
لا. جغرافيا، نحن بعيدون جداً عن ايطاليا لكن لا مانع ان نحمل بعض طباعهم وضجيجهم في الحديث والتلويح بالأيادي. نحن في الحقيقة من اليمن.
وإذا بها تشهق: حقاً أنتما من اليمن؟ 
وشرعت تحكي قصتها مع اليمن وانا أترجم لصديقي بعد ان عرّفنا بنفسينا إليها.
يا إلهي. لقد زرت هذا البلد قبل اثنتي عشر سنة. كنت حينها أقوى على السير. وقضينا في رحلة سياحية ما بزيد على أسبوعين. كنا في سيارة رباعية الدفع. وكنا على الدوام مع السائق نفسه. طفنا في البلاد. مررنا على كل المدن، شمالا وجنوبا. ذهبنا الى حضرموت وزرنا عدن ومشينا في حراز. 
أسهبت السيدة في الحديث عن رحلتها إلى اليمن وتذكرت فجأة أحداثا مضى عليها عقد من الزمن. كان تواجدنا في الحافلة كقدوم قميص يوسف. استنهضت العجوز ذاكرتها السحيقة. كانت تسرد لنا مواقف حصلت لها وتضحك كصبِّية. كانت تضحك وتضع يدها على فمها تلجم جموح الذاكرة. تحدثت عن القات وعن صديقتها التي خاضت التجربة ثم تقيأته في المساء. وعن السائق الذي لم يتبدل طيلة الاسبوعين وكان في النهار يجلس على كرسي القيادة برفقة ربطة قات كبيرة وكلاشينكوف. 
تتذكر السيدة العجوز صنعاء جيدا. لأنها أحبت هذه المدينة بمناخها الطيب وطابعها المعماري المتفرد ولأنها كانت نعيما في صيف مدن الساحل والصحراء. بيد ان أغلى ذكرى تثير لديها سلسة هستيرية من الضحك عن المدينة كانت انهم تاهوا في الطريق فاستنجدوا بعسكري يمني ليرشدهم الا انهم اكتشفوا ان العسكري لا يستطيع القراءة. 
نحن ايضا انفجرنا ضاحكين لأننا منذ ثلاثة أيام ونحن نؤكد على بلادة هذا العسكري تحديدا الذي اضاع البلاد والعباد. 
قلت للسيدة، نتمنى ان تجددي زيارتك لليمن وان تعيشي ذكرياتك مرة اخرى. فقالت : ما عاد بوسعي السفر. لقد تقدم بي العمر. فسألتها كم عمرك الان؟ التفتت عن الشمال واليمين وقالت : ٩٢ سنة. سأنزل في المحطة القادمة. لدي موعد مع طبيب الأسنان. 
- سيدتي. أيمكننا ان نلتقط معك صورة؟ 
- ماذا ؟ 
نريد صورة معك من فضلك؟ 
- بكل سرور. 
ثم انصرفت الى موعدها عند طبيب الأسنان. بينما سرحنا في العسكري الذي ما يزال لا يجيد القراءة.

اين الصورة يا مروان؟ وإلا سأبوح بسر صورة هذا المنشور.


خطبة الأحد

فرقة الموسيقيين هذه التابعة لجيش الخلاص تقدم في ساحة عامة معزوفات روحانية من نسيج الحياة العسكرية. اليوم احد، وهذه المعزوفة هي النظير الروحي لخطبة الجمعة. 
جيش الخلاص هي مؤسسة دينية مسيحية عنيت منذ اكثر من قرن حين تأسست في بريطانيا بتقديم مساعدات اجتماعية وماتزال تعمل كذلك حيث تنتشر في أوروبا. 
بيد ان اللافت في هذه المنظمة هو اشتغالها الكبير على مسألة النظافة الشخصية. 
النظافة والتطبيب من صميم العمل التبشيري بالنسبة للكنيسة خصوصا البروتستانتية والكاثوليكية بينما قبعت الكنيسة الأرثودوكسية في نمط التبشير الشرقي الذي لا تختلف عنه المناشط الدعوية الاسلامية. 
يمكننا ببساطة النظر الى خطوط التماس في النشاط الدعوي والتبشيري في افريقيا أو شرق اسيا. 
يقدم الدعاة الاسلاميون ذوو الوجوه السمحة خطابا تخديريا وطعام في أحسن الأحوال والنشاط يقتصر على الرجال إجمالا وهم لفيف من الأقل تعلما وربما أميون. بينما يقدم رجال الكنيسة ذوو الوجوه الصارمة خدمات تعليمية وطبية ويهتمون كثيرا بالنظافة الشخصية. هناك اخوات تبشيريات تشع وجوههن بالرضا والطيبة. في كل الأحوال، جميعهم ينشطون حيث الفقر. لكن الفرق واضح بين المجتمعات. فحيث يوجد المسيحين في افريقيا او اسيا مثلا يمكن ملاحظة انتشار اقل للأوبئة وظهور لافت وملموس للنظافة الشخصية ونزوع اقل للجهاد والحروب الدينية. 
من المدارس والجامعات الكنيسة تخرج كبار المفكرين والأطباء. ماذا تخرج من الجوامع او الجامعات الدينية؟ جامعة الايمان في اليمن انموذجا. 
ماذا عن تربية الجمال وتنمية الحس الموسيقي لدى الاتباع؟ 
عدا الصوفية فلا مكان لأدوات العزف في كافة الألوان الدينية الاسلامية. لنقل انه غير معترف بها ولا مدمجة كوسيلة تربوية. انها قضية بيداغوجيا. 
شيء اخر لافت في التنشئة المسيحية وهو تطوير فلسفة العمل الطوعي وانسجامها في سوق العمل ايضا. هذه الفلسفة التي تحولت الى فيما يشبه العقيدة لطفت كثيرا من وحشية الفردانية في أوروبا والغرب إجمالا. 
ان قيمة جوهرية مصاحبة للرأسمالية هي الفردانية ستصبح قاتلة في حال تغلغلها في المجتمعات الشرقية التي لم تفعل العمل الطوعي. 
يبدو ان المقطع المصور سيذهب بنا بعيدا في الحديث عن أزمات اخلاقية تستفحل بنا اكثر فاكثر. 
أريد قبل النهاية ان ألفت نظركم الى علبة الكوكاكولا التي تظهر على استحياء عند قدم العازف الثاني او الى ملامح قايد الفرقة الأبيض الشبيه بقبطان نبيل يقود فرقة عازفين مخلصة من السود. هذه ليس توصيفات تميزية او عنصرية انها مجرد ملاحظات اجتماعية. 
أحد مبارك.

a téléchargé une nouvelle vidéo.
26 octobre 2014 · iOS · Modifié · 

الصورة والحكاية

في محاضرة للمصور البلجيكي اللبناني سامر معضاد في نادٍ للمصورين هواة ومحترفين تحدث فيها عن تجربته الشخصية مع الصورة والاحداث التي مر بها ومشاريعه وكتبه حول البلدان العربية، وتطرق فيها الى زيارته الى اليمن في بداية التسعينيات، فوجدتني اخفض رأسي اتقاء لشر الكلمات عن بلاد اسمها اليمن. قال الرجل أشياء كثيرة عن الصعوبات التي قابلها في حله وترحاله خصوصا في ايران والسعودية الا انه والحمد لله مر مرورا سريعا عن اليمن واكتفي بكلمات قليلة جلها اطراء فتنفست بعمق.
إلا أن إحدى الحاضرات ذكّرته، في معرض حديثه عن استخدام المقاتلين المتشددين لمؤثرات عقلية مخدرة، بالقات واليمن وكأننا نقتتل في اليمن لأننا نمضغ القات. 
كان حديثا عن الصورة لكنه بإبعاد ثقافية هامة وقال فيه خلاصة مؤلمة: لن نقضي بهذه الحرب على داعش لأننا لم نقض بالحرب على طالبان ولا حماس ولا حزب الله. لا يمكن لدول تدين بنفس الشريعة التي بموجبها تحكم داعش ان تشارك في الحرب على داعش. يحب عليها ان تقوم بمراجعات فقهية قبل خوض اي حرب لإنهاء هذا اللبس وهذا النفاق.


عازفة التشيلو



واين تمضي العين والأذن مشدودة الى وتر رخيم؟ 
يأتيك اللحن يمسّد تجاعيد الآه وانت تقضم اصبع القلق القارض. 
انتَ لستَ جالساً على مقعدٍ. هي رمضاءُ الانتظارِ. 
التشيلو يحكي قصة النازحين. كبار السن الذين فقدو اصابع حفيداتهم في الحرب وتمزقت احذيتهم الجلدية في الهرب القائض. 
التشيلو انه ثلج مدغدغ يأكل الاطراف لذة وألم. 
سبحان من جعل عازفة التشيلو تثبّت ذراعها في نفس الزاوية وتتحرك كمزلاج مدهون تفرك فروة رأس طفلها النعسان. 
من تحت ذراعها تطير ملائكة من حمام بيضاء.

سعادة

الشاب الأسمر النحيل ذو الضفائر يقف امام معرض السيارات يتفحص سيارة البورش رباعية الدفع بيضاء اللون منهمكا يشرح لحبيبته الشقراء مزايا الكوابح في الإطار الرشيق والعاري. 
ينحني مع انسيابية الشكل الخارجي وينظر في عيني حبيبته ثم يفصح عن ابتسامة يسوعية تقدم الخلاص واليقين. 
كان يتحدث وكانه مالك السيارة فعلا. 
وبعد برهة، يلتفت بانتظار اقرب قادم على الرصيف ويتقدم نحوه بود يطلبه سيجارة وقداحة ايضا. منزوية تنتظره حبيبته كي تشاركه السيجارة قبل ان تلتهما النار والريح.

الحب بين علم الاعصاب والعلوم الإنسانية

الحب بين علم الاعصاب والعلوم الإنسانية (مقال مترجم من الفرنسية) ترجمة مصطفى ناجي الجبزي افتتح في شهر أكتوبر من العام المنصرم معرض استث...