الخميس، 6 مارس 2014

يتيم انا في العيد


13 اكتوبر 2013 

سياتي العيد ليذكرني بيتمي الابدي. كيف لي ان اتصور العيد بدونك او لا استقبل مكالمة منك تبشرني بقدومك الي. هل كانت معجزة المعجزات في العيد المنصرم حين قطعت تذكرة مستعلجة وكنتِ دفئ الدار لايام معدودات. لكنها ذاكرى مخلدة من النعيم وامتعاض الاصدقاء. النكاية فن لاختلاق متعه لا يعرفها سوى اباطرة النميمية.
....
يتفتق الخريف من دون زهر او تباشير وتتفتق معه احلام اليقظة. ذات يوم وقرب الغروب وبينما كنت على الشرفة تصورت انك كتبتي لي رسالة كهذه:
كؤوس النبيذ الاحمر الاربعة لا تكفي لهذه الراس الموجوعة بألم فراقك. لا شيء ينطوي على النسيان وألم الفراق. وحدك بعيدا تستلذ هذه الحالة وتمرح كما لم يفعل شيطان اخر. وحدك تترجل احزاني بفرحة وعربدة. ليس في الحياة رحمة ولا عدالة لانك فرح ومبتهج ومعربد ايضا. لست احزن لفرحك. هذا فرح يبعث على الفرح لكن القلب مطعون بمنجل تدرج ايام البعد والبين.
.....
عبثا كان تصوري وتهيئي. وانت هناك غارقة في بردك وغيومك الشتوية. الشمال جبل معتم. والجنوب موقد للاشتياق المضني. وليس في الامرين كؤوس ونخب. فقط كسرة يابسة من حنين وذكرى جافة. ورياح هذه العصريات مؤذية. وليس فيها امر ىسر وجميل. لحافي الأصفر المقصب ينادي يديك لترديه إلى حافة الكتف المهجور. انها جغرافيا من الشجن.
هل تدرين اني لم احلق لحيتي منذ ايام. ليس في الأمر اي امتثال لمناسك وثنية. انا فقط انتظر مرسومك الباهي.
....

يوما ما ستسافر اناملك بين الذقن والصدغ. يوما ما سابكي اكثر لانك اقتربتي مني. ولكن ليس كاقترابك الخاطف في هذا العيد. بعيدة قريبة انت. ولا ادري بشيء الا بالمصادفة. في هذه الحياة مصادر شتى للحزن. كانك تكونين هنا ولا تعرف المدينة عنوان لعطرك الباذخ. او يخبرني العذل وهم يلوحون بمشرط التشطير.
....
حسناً. ساشتري كعكة هذا العيد خالية من السكر والابتهاج. لونها قاتم كقطعة جبز اهملها الطباخ عندما حنق من ربة العمل. ولن اشعل شمعة في المساء سأتعذر باني فقدت قداحة العمر.

انوار الحكمة

12 اكتوبر 2013
انوار الحكمة
....
اظنني عيدت قبل العيد. لقد حضرت اليوم معرضا بعنوان "اضواء الحكمة" في معهد العالم العربي. كانت زيارة مزودة يتعلقات حول المعروضات من طرف اريك فاليه. قبل ان اتحدث عن المعرض ستأحدث عن ايريك فاليه. هذا اليمني اكثر من اليمنيين. هو في حقيقة الأمر ليس بيمني. ليس لأن اسمه ايريك فاليه بل لانه انساني. وعالم حقيقي وباحث من الطراز الرفيع.
اما المعرض فهو حول المدارس في القرون الوسطى في الشرق الغرب. مجموعة مخطوطات وكتب مخطوطة جمعت من الشرق والغرب لعرض فكرة التنوير وطريقها لتأسيس الحكمة. بمعنى ان المدرسة هي طريق الحكمة.
في رأي هذا الأمر لم يعد كذلك بالضرورة. فلم تعد المدرسة مسارا يوصل الى الحكمة. في الشرق صارت المدرسة طريقا للجحيم والكراهية والغباء ايضا. اما في الغرب فقد صارت المدرسة مصنعا لانتاج مكائن بشرية لتخريب الكوكب والنفس الشرية.
اليوم يطرق سؤالا حيويا في فرنسا حول ماهية المدرسة. المدرسة بكل المعاني؛ الفلسفية والاجتماعية السياسية.
لكن هل انفصلت المدرسة عن السياسة يوما ما؟
كما يقول احدهم ان العملية التعليمية هي خيار سياسي بامتياز فان المدرسة لا تنقل معارف فقط لكنها تنقل طرق حياة وخيارات سياسية واجتماعية.
المعرض الذي خصص لهذا الامر جمع اعمالا فريدة من حيث مضمونها ودلالتها فهي مخطوطات تعود على حوالي الف عام جمعت من الشرق والغرب وفيها رسومات في غاية الجمال ومخطوطات تسلب العقول في جماليتها.
لكن التفكير في دور المدرسة الاجتماعي والسياسي مدعاة للاشتغال والبحث.
لماذا لم تتمأسس المدرسة في العالم العربي والاسلامي وتتفق على اسس منهجية وسقف تعليمي موحد يخلق كوادر نافعة للمجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. ثم هل كانت المدرسة مفتوحة لكل فئات المجتمع ومتيسرة وما هو سقف المعارف المتاج؟ هل كان للمراة حضور كدارسة او مدرسة في التاريخ العربي والاسلامي؟
مشكلة المعرض انه يتناول الشرق باعتباره الشرق الجغرافي. اي من الهند وحتى مصر ولكن الشرق بالمعنى الثقافي يمتد الى بلدان شمال افريقيا والاندلس وقد تكون الاندلس انموذجا ثقافيا مختلفا جدا عن الشرق الجغرافي في تمثيلها للثقافة العربية والاسلامية.
في احدى اقسام المعرض هناك قسم للترجمة او لتاريخ الترجمة في الشرق والغرب بمعنى ترجمة العرب لاعمال الاغريق واليونان وترجمة الغرب للاعمال العربية بما في ذلك قاموس ثنائي لاتيني عربي هو من القواميس الاقدم.
وكذلك رسوم تمثل النقاش بين المفكرين في تلك الثقافات كحوار بين ارسطو وابن النفيس.
درر انسانية حقيقة لكن الشرح المقدم من ايريك فاليه كان درة لا مثيل لها.

http://www.imarabe.org/exposition-ima-11665

عن الفصول الاربعة ويماني اصيل



1 اكتوبر 2013

زارنا اليوم في مكتب العمل رجل طاعن في السن. كان بهندام أصيل بمزاج كلاسيكي. انحنى ظهره من اثقال العمر وتجارب السنين. ابتسامة عريضة وكلمات ود ينطقها بعزيمة وتمكن.
قال: اضطررت الى المجيء مجازفة بعد ان حاولت الاتصال بكم فلم يجبني احد. ما كنت سأسف على عدم الرد فأنا اقدرانشغالاتكم لكني أستمعت الى المجيب الآلي بانتظار الإجابة وقد حز في نفسي ان الانتظار أفسده عدم جودة التسجيل للمقطع الموسيقي الساحر. نعم الاختيار. كانت مقطوعة من معزوفة فيفالدي : الفصول الأربعة وهي من ألذ ما يمكن سماعه من موسيقا لكن جودة الصوت كانت رديئة. انها واجهتكم وواجهتنا فعدلوا الصوت.
وبعد لقاء قصير انصرف.
كان عجوزاً يمانيا من أولئك الذين عاشوا زمنهم لحظة بلحظة. تشبعوا بالوقت واغتنوا معرفة استلهمتها حواسهم على مهل دون تسارع مقيت نعيشه نحن تحت تأثير التقانة الرقمية. بحثت عن المعزوفة فوجدتها على اليوتيوب بزمن يزيد عن أربعين دقيقة.
بالله عليكم من منا يملك الصبر والنفس للاستماع الى هذا الوحي في هذا الزمن الدعي؟

ليل



15 سبتمبر 2013

بأي ذنب يطول هذا الليل ويترك الرفاق عرضة لغولة الفضول تنهشهم رغبة في النقر على ذاكرة موجوعة تختبئ في فنجان نحاسي مقلوب.
لست انتِ معَلَم الهداية في هذا البحر المتلاطمة امواجه ولست انا القارب الآمن.
تخاصمنا على المجداف الأخير فالقينا به في اليم. هل نجدف بايدينا الخاليتين من الأمل.

الموسيقا في باريس



21 يوليو 2013

ليست الموسيقا تعبيرا فنيا فقط. هي ايضا صوت الفرد للتعبير عن ما يختلج بداخله ونظرته للحياة وتفاعله مع الاحداث.
يتجاوز الامر التعبير عن حالة الحب فقط بطريقة ميانيكية تفتقر لمحاكاتها للواقع.الاغاني في الغرب، في فرنسا هنا تحديدا هي ايضا مانفيستو سياسي واجتماعي.
قبل أداء الاغنية على الهواء الطلق اوضح المغني ان اغنيه من ايحياء فتاة سعودية شجاعة ترغب في تجاوز القيود المفروضة على قيادة النساء للسيارات.
بما ان لاغنية قريبة من الناس ومن واقعهم يحضرون بكثافة ويتفاعلون. يحضرون من مختلف الاعمار والمستويات الاجتماعية والاقتصادية. ومن مختلف الاطياف والالوان.

أنمار




أنمار 


29 مايو 2013

عصر اليوم الأربعاء 29 مايو 2013 رزقت مولود جديد ذكر أسميناه أنمار. الحمد لله على هذه الهدية والحمد لله أكثر على صحة الأم.
....
ان تكون ابا لطفل جديد فأنت ترتكب جريمة بحق غيرك. لكن ما هو أكثر اغراء في الحياة من أن تضمن امتدادك البيولوجي. سيبدو في الأمر سذاجة وغرور غير مبررين. فمن يكون الفرد منا وما هو العبقري فيه غير أنانيته الوقحة المؤلمة؟
ولكن أي امتداد؟ هل هي مواصلة للشقاء والبؤس أم فتح جديد على أبواب النعيم؟ هل المسألة ليست أكثر من تكرار ممل لشخوص واجساد عابرة للتاريخ بسلبية فجة تصل الى حد ان يعيش الجيل عيشة دواب تنتظر الزاد ويوم الوفاة؟
...
صرت أبا لثلاثة أطفال من البنين لا اخت لهم حتى الآن. وأظنه ظنا تغلب عليه الرغبة أن أنمار هذا سيكون آخر العنقود. فلا رغبة لي ولا طاقة لأمه المسكينة في تحمل طفل رابع.
...
مع هذا الطفل، انتابتني احاسيس مختلفة عن سابقاتها. ففي ولادة الطفلين السابقين خصوصا الأول لم اكن حاضرا ولم أصل إلا بعد يومين من الولادة وعندما رأيته شعرت بصدمة كبيرة لا أدري ما مصدرها ربما كنت اتوقع طفلا بملامح ثلاث سنوات على الأقل ولم اتمكن من الإتلاف مع ملامح الوليد بسهولة، بل أنه استقبلني على طريقته. فأول ما أوتي به إلي ونفض عنه اللحاف (القماط) وشاهدته عاريا مستغربا من حمرة بشرته وكبر عينيه وتقلباتهما غير المألوفة فبدا ذلك له في وجهي وتبول علي للتو. عبّر عن ذاته وأبعدني عنه كما يحلو له.
في ولادة الطفل الثاني كنت اقل لامبالاة من الأول وكنت حاضرا جسديا لكني متعب وارغب في النوم. فقد كان في الجوار خالا الوليد وقبلهما جدته المباركة.
لكن هذه المرة اصابتني نوبة احباط شديدة واكتئاب مبكر منذ ان سمعت ان امه حاملة به... وتعقد الأمر اكثر بسبب هواجسي المرضية.. وشاءات الاقدار ان ارافق أمه إلى آخر لحظات الولادة سيما وامها الغالية غائبة هذه المرة وقد كانت تسهل علي مشقة الأمر واعفتني من مهام الزوج وادخرت لي لحظات ابوة صافية من عناء ومسؤولية مرافقة الولادة.
...
أنا في حقيقة الأمر احب الاطفال لكني لا ارغب في الحصول عليهم وقد يعود الأمر الى نزوة طائشة تسيطر علي او وهم التمرد والحرية المطلقة القريبة الى الصعلكة السامية. وها أنا في نهاية المطاف اب لثلاثة أولاد. وقد علمتني أحداث العامين الأخيرين في اليمن ان الحياة مليئة بالبشاعة التي لا تحتمل معها إضافة حياة جديدة تتلقى بؤس وشرور هذا العالم. مع هذا حصل وان جاء الطفل الثالث.
ما عساه سيكون. فوه فاغر جائع يضاف الى ملايين ملايين الافواه الجائعة في هذا العالم ام يدين عاملتين وعقل مدبر ياتي الى البشرية؟
ثم ماذا عن الاسم الذي ارتضيناه له. هل سيقبل به بكل يسر ويحب اسمه ونفسه كفاية؟ ام سيتذمر منه ويلعن ابويه على هذا الأسم؟
سبق وأن طلب مني ابني الأول استبدال اسمه بعد مرور اربعة اعوام من حياته. ادهشني الطلب وحسبت الأمر كان بايعاز من زميل له او من خالة متزمتة دينيا تتوقع ان اسم إلياس لا يمت بالاسلام بصلة- كما هو عهدنا بجنون التدين السطحي. وعندما واجهته بالسؤال لماذا ومن طرح عليه هذا الاقتراح لم يجبني بشيء مفيد انما قال هكذا وسرعهان ما تنازل عن الفكرة وربما تعاوده الفكرة بعد حين اذا اشتد عود الاصوليين المتطرفيين الاسلامويين.
اما الطفل الثالث فاظنه لن يحتمل ان يكون له اسم مغاير رغم اصالة الاسم تاريخيا وايجابية دلالته اللغوية.
هذا شأنه في نهاية الأمر.
...
اليوم لا أفكر في أكثر من لوازم الأم والطفل. اه من مشاغل الحفاظات والصابون والشامبو. ولكن اي رسالة يمكنني او يجب علي ان ازرعها في هذا الصغير؟ في لحظة لم امسك بعد بالبوصلة في شؤون حياتي ولم اعرف بعد الوجهة الصحيحة انا الذي وصلت منتصف العمر المتوقع لي في بلد كاليمن في أحسن الظروف؟ يحرص أخواله على أن ألقى على مسمعه الأذان كاملاً وكأني بهذا اقطع عليه حق الاختيار مبكراً. وأنا بين معضلة الامتثال للعادة والوعي الشقي بحق الاختيار المسلوب.
بعد عشرين عاما سيكون العالم أكثر انشغالا بالقضايا البيئة وربما يصدر تشريعا بمنع او تقنين استخدام الحفاظات بالتالي سيجد الصغير نفسه مشبعا بتأنيب الضمير على فعلة لم يكن هو السبب فيها وسأتحول أنا وأمه ربما الى مقترفي ذنب ومسببي خراب للبشرية. اي محاكمة سننالها من هذا الصبي لو قدر له عمر مديد وتجاوز احتمالية الموت المجاني الوفير في هذا البلد؟

الأربعاء، 5 مارس 2014

القبيلة والسوق المعولَّمة

القبيلة والسوق المعولَّمة
مصطفى الجبزي

يناير 2010
لم يعد من الممكن تصديق من يقول أننا وعلى هذه البلاد نعيش في منأى من التحولات وموجات الخير والشر التي تجتاح عالم اليوم، وان بمقدور جبالنا الشاهقة الحصينة ان تكف عنا "الأذى" الوارد من البعيد أو حجب ما نصنعه في أنفسنا وفي بعضنا البعض عن الغير. لقد جعلت التكنولوجيا وما توفره من وسائل اتصال وتبادل للمعلومات وقدرة اتصالية فائقة، جعلت من هذا العالم قرية واحدة يطلق عليها البعض قرية كونية. وبالتالي، تكثفت الاعتمادية المتبادلة وزادت القدرات التبادلية وغطت كل القطاعات التبادلية من تجارية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية حتى صار الفرد البسيط قاطن الجبل أو السهل معنياً بشكل أو بآخر وبمقدار ما بما يحدث للاندونيسي او للجنوب افريقي أو للكندي من تحولات حياتية ذات أثر مستقبلي يجتاز الحدود ويعبر المحيطات.
ولقد تشكلّت كيانات مجتمعية عالمية منذ فترات زمنية طويلة وخصوصا في القرن العشرين وصارت تاثيراتها وقدراتها التدخلية لا مفر منها إلا بمقدار المقاومة والحد من الأثر، أما تجنبها فلم يعد هو المشكل. وهذا التحول رافقته سرعة كبيرة في طرف من الكوكب فيما الطرف الآخر لم يستطع مواكبة هذه السرعة وبالتالي فإنها تمر عليه اجتياحاً وغمراً. ومن المجتمع الصناعي وعصر الآلة البخارية إلى مجتمع المدينة الرقمية والمدن الكبري الميتروبوليتين، هكذا تحول وأبعد، يقابله مجتمع المدينة المريّفة والقبيلة التائهة في اليمن. وهذه الصورة تدفعنا على نحوٍ مجازف إلى وضع القبيلة في كفة والدولة العالمية في كفة أخرى. ما يدفع بالتفكير في مصير مجتمع القبيلة أمام القدرة الهائلة لتحرك الكيانات العالمية وامكانتها وادواتها خصوصا السوق؛ بمعني حرية التبادل وحرية التدخل والتوسع الناعم.       
وقبل الشروع في الحديث عن القبيلة والسوق المعولمة  اسمح لنفسي ان اضع بين ايديكم الدافع وراء كتابة هذا الموضوع . ففي أول اسبوع بعد عيد الاضحى، ذهبت ليومين برفقة اصدقاء لحضور عرس صديق آخر لهم إلى محافظة البيضاء (268 كم من العاصمة صنعاء).
 نزلنا في ضيافة عائلة كريمة واستقبلنا بحفاوة بالغة ومع أننا لم نكن نخطط للبقاء لأكثر من اثنتي عشر ساعة إلا أننا بقينا يوماً ونصف يوم بعد إلحاح شديد[1].كانت رحلتي هذه من صنعاء إلى إحدى القرى المجاورة لمدينة البيضاء عاصمة المحافظة (قرية الروضة) جاءت بعد عودتي الي اليمن من رحلة خارجية لثلاثة أسابيع قضيتها في الصين قبيل عيد الاضحى، وهي بمثابة انتقال نوعي بحق.بعد الترحاب وتبادل التحايا وتقديم التهاني وأخذ الصور وتناول الطعام ومضغ القات وما رافقه من احاديث متنوعة لكنها في معظمها تشترك في هدف واحد يصوغه اللاوعي الجمعي خلصت إلى نتائج هامة بالنسبة لي.

ففي البداية تلقيت درسا كبيراً في الاعراف القبلية. وراقبت عن كثب مشاهد التمثيل simulation   بين كبار السن والشباب والتي تملي وتكرس القيم الاجتماعية ونواميس القبيلة. كما ادركت مقدار تجذر الوعي القبلي ومفاهيمه وتركيز الاباء والاجداد وحرصهم على توريث هذه الشحنات وربطها بكل سياقات الحياة اليومية. الأهم أني أدركت طلب الناس الملح لدولة تؤمهم وتصلح شأنهم وتنظم حياتهم وتلبي احتياجاتهم وأهم من ذلك ان تؤطر طاقاتهم وتوجهها نحو الاتجاه الصحيح . كما ادركت حجم الضرر القائم جراء الاقتتال بين الناس ورغبتهم في الخلاص من هذا الوضع.

كما شاهدت تعامل الناس مع آخر مقتنياتهم من التقنيات (هواتف خلوية وحواسيب محمولة...) واستمعت إلي حواراتهم والقضايا التي يناقشونها وبسقف عال من الشفافية والنقد، خصوصا اذا ما كانت القضايا تخص الغير. لكني تفاجأت من مستوى الوعي لدى البعض منهم واستحضارهم لصيغ وعبارات ومفاهيم وقيم في غاية الحداثة.

كما شهدت الانقسام في المواقف من بعض القضايا كالوهابية ولوازمها من سلفية وتدين مبالغ فيه وموقع المرأة في الحياة الاجتماعية وموقفهم من الدولةوالمدرسة والعملية السياسية برمتها.  
لكن الدهشة الحقيقة كانت من حضور الشعر في حياتهم وتلقائية السجال الشعري حول المواقف وهو ما جعلني اشعر بعجز كبير عن التعبير وبأسى وحسرة على فقدان تلقائية التعبير وشعرية القول وان تعليمي وقراءاتي لا تساوي شيئا ان لم تكن مكللة بالشعر.



بعد هذا لم تكن البيضاء سوى نموذجا يسمح بالحديث، من واقع معيش، عن القبيلة وجاءت الزيارة مصادفة لكنها مليئة بالدلالات.
 ولكن في امر القبيلة يمكن القول اننا حاليا بصدد الحديث عن مرحلة جديدة وهي علاقة القبيلة بالسوق بالمعنى الاوسع لهذه المفردة وبالتالي بالعالم ولم نعد في صميم السجال حول علاقة القبيلة بالدولة لأسباب كثيرة منها ان هذه المسألة اصبحت مشخّصة من الناحية العلمية الاجتماعية وهي ان العلاقة القائمة بينهاذين الكيانين الاجتماعيين هي علاقة عكسية فكلما قوت الدولة ضعفت القبيلة والعكس صحيح لكن هذه العلاقة لا تعني إلغاء أي من الكيانين للاخر ولكن في حالت قوت الدولة تذوب القبيلة لانها تندمج في اطار اوسع وإن قوت القبيلة حاولت التهام الدولة[2] وهي تدخل في هذه الحالة في مرحلة عميقة من الصراعات الاجتماعية وتشظي الهوية الكلية للمجتمع وحلول اقتصاد الانتهاز والاستحواذ والدخول في سجال من المعارك اللانهائية والهدر المتعدد المستويات للطاقات والافراد[3] والاسواء طالما والقبيلة في بنيتها مولدة للعصبية هو الوصول إلى حالة قابلية التشظي وقابلية التدخل والاحتلالعلى ان هناك فوارق جوهرية بنيوية بين الكيانين لا يتسع هنا المقام لذكرها كاملة ومن اهمها ان القبيلة في ذاتها مشروع لهويات صغرى ولا تخلق وطن[4]وهي في ادني مراتب سلم الفعل السياسي ان جاز لنا ضمها اليه. فضلا عن العلاقة القائمة فيها جماعية الطابع (من حيث المسؤولية والواجب) وهي في حالة الدولة فردية (أي قانونية مكتوبة)[5]. لكن الاهم هو ان القبيلة في اليمن تمثل حالة خاصة او مختلفة عن القبيلة بالمعني الاجتماعي الانثروبولوجي وفقا لدراسات القبيلة في افريقيا مثلا لان القبيلة في اليمن تقف في مواضع بعيد من كل من حالة البداوة و الحضر او الدولة وسبق وان تغلفت او ألبست قيمهابصبغة دينية مقدسة واحينا تغلّب قيمها على حساب الدين؛ أي على حساب الاسلام في حالتنا نحن[6]. وهذه المميزات تمثل إشكالية كبيرة على مستوى الدراسة والتشخيص والبحث عن افاق تغييرية، لكنها بالمقابل تمثل تحديا شائقا لدراسة التركيبة الاجتماعية للمجتمع اليمني. الاسواء في القبيلة هو ارتكازها على مجموعة من الاوهام ابتداء من النسب (وهذه واحدة من ملاحظات ابن خلدون) والعراقة والاصالة والنجابة والامتيازوهي لا تقوم إلا على وهم انها الافضل مقابل هدم الاخر[7]. على ان هذه الجوانب لا تنفي ايجابيات قائمة في القبيلة او البناء القبلي، وهي ايجابيات نعتمدها افتراضا لان القبيلة في الوقت الراهن لم تعد بالتاكيد القبيلة ذاتها في النصف الاول من العقد المنصرم على الأقل ولنا على ذلك دليل ان رئاسة القبيلة كانت تعطى كمبداء لمن هو اكثر حكمة وقدرة على التعبير ورعاية مصالح افراد القبيلة وبالتالي هناك امكانية انتقال هذه الرئاسة بين زعماء قبل من القبيلة وليس بالضرورة توارثها كما هو حاصل اليوم سيما وتناولات القبيلة في اليمن تقر بأن القبيلة وقيمها تمر بمراحل التدهور والتشويه وتجسيدا لهذه المقولة يستشهد البعض بالتطور الذي حدث لمسألة الثار التي كانت تنتظم في اطار اعراف وقوانين منها عدم الاعتداء على الاطفال او النساء او عدم الاخذ بالثأر في الأسواق فيما واقع اليوم يشذ عن هذه القاعدة. وعليه فالحكم انما يجب ان يتم على ما هو قائم لا على ما هو مفترض.

ولكن مزاياها كهذه من كرم وشهامة ونخوة وعزة نفس وما إلى ذلك... هل هي قادرة على الصمود امام السوق وقيّمه؟
مع ان القيم القبيلة هذه محمودة لذاتها لكنها في صيغتها الحالية غير قابلة للتكّيف مع السوق والقيمة النفعية له وطابع الفردية وقيم العمل.
ونضرب على ذلك مثلا وهو رغبتنا الملحة في الترويج السياحي واجتذاب السائح كوسيلة لتحسين دخول الناس وتوفير فرص عمل جديدة تعود على المواطنين بالربح ولكن كيف سياتي الربح ونحن نستقبل السائح "ونكرمه" في ضرب من السفه والتبذير وفقا لإملاءات قيم القبيلة. وثم موقف آخر لتصادم قيم القبيلة وقيم السوق وهي وفقا للطابع البنيوي للقبيلة الذي يقتضي ان يكون الفرد فيها ملزما بما هي ملزمة وهو –أي الفرد- بالتعريف احد جنودها وبالتالي فيما لو نشبت حربا قبلية صار لزاما على افرادها ترك اعمالهم والمسارعة إلى ربعهم للانضمام إلى صفوف المقاتلين الاخوة الاعداء. وعلى نحو اكثر تفاؤل ينبغي على افراد قبيلة ما المشاركة في جلسات التسوية (الموقف او التحكيم) والاصطفاف من قبيل الحشد واظهار جهوزية الافراد/ الجنود لاسترجاع المكانة المهدورة بسبب الحادثة موضع التحكيم.
  
وقد يهم بأحدهم السؤال: لماذا تضع القبيلة في مواجهة السوق على وجه التحديد؟  
 إن وضع القبيلة في مواجهة السوق معادلة تقتضيها حيثيات معينة نتيجة للموقع الذي تجد الدولة نفسها فيه في خضم مراحل مخاضات العولمة. والسوق هنا احد تمظهرات الوضع الجديد أو مرحلة العولمة التي لها أبعاد كثيرة وهي في مجملها رمز لمنظومة متعددة الأوجه وبالتالي لها قيم وقواعد ومؤسسات وتستند أساسا على البعد المرن او القوة اللينة وتتخذ من الثقافة مدخلا لكل الأبعاد الأخرى.

والعولمة في احد تعريفاتها هي تقليص سلطة الدولة (ككيان سياسي فيه شعب وأرض وحكومة وتعبيرات اجتماعية وثقافية) لصالح مؤسسات أخرى ذات بعد دولي وهي منضمات وأسواق وشركات وبالتالي كان هذا الوضع على حساب الدولة القطرية[8] وأضحت التكوينان الاجتماعية المنضوية في إطار الدولة هي المواجهة للكيانات الأكبر الدولية ولكل منهما قيمها الخاصة وبالتالي تكون المواجهة بين القيم.

وهذه التكوينات ذات البعد الدولي بفعل القوة التي تمتلكها والنفوذ والتعقيد من التراكم والتأصيل والنفعية والاستراتيجيات قادرة على التهام الصغيرة ذات البعد الوطني على أن هذا لا يستثني تشكيل حركة معاكسة من رد الفعل هي بالضرورة منغلقة على ذاتها وأصولية وعنصرية لانها، أي القبيلة او حتى راسمالها التي تستثمره، لا تفقه قواعد اللعبة ولا تجد مضمارها المفضل في المنافسة والعمل ولهذه العناصر سلبياتها الكثيرة، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، لم يعد من المعقول أن نطلب من الدولة أن تتبنى من الآن فصاعداً مسؤولية صهر القبيلة في كيان اجتماعي أوسع هو الوطن وأن تقف في مواجهة التأثيرات السلبية للعولمة لأنها، من جانب، لم تفعل ذلك حينما كانت الفرصة مواتية، ولأنها لم تعد قادرة حالياً على هذه المواجهة بحكم تغوّل العولمة من ناحية، وبحكم التوجه الذ سلكته الدولة في سياسيتها الاقتصادية وتبني سياسية الانفتاح على السوق والمنافسة وهذا انتج تاثيرات سلبية ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب بل وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي[9]. ولهذا في نظرنا فإن المواجهة – غير العادلة – تقع بين القبيلة كقيم ومنظومة والسوق كقيم مع فارق الوسائل بالطبع.

وهذه المرحلة حرجة بالفعل، لأنها  لحظة خارجة عن السيطرة ، أو لنقل – من باب التفاؤل – عسيرة على السيطرة وأصبح المطلوب لزوماً هو توزيع المسؤولية على نحو فردي في إطار منهجية تقود إلى الجماعي. كما أن المطلوب هو إعادة الاعتراف بالقبيلة بصورة أخرى تعيد إليها الاعتبار والحق في المصلحة على قاعدة المواطنة المتساوية.
فلا يمكن لي او لأحد عيري نكران بعض فضائل القبيلة في المجتمع اليمني فلقد كانت واحدة من أشكال التحصين ضد الغزو و"الانسلاخ" وشكل من إشكال تجليات الحرية مقابل السلطان الجائر في التاريخ الإسلامي، بحسب عبد الله العروي (مفهوم الحرية)، وهي أحد جذور الهوية ومفاصل التماسك الاجتماعي لدي المجتمع اليمني، ولكن هل ما تزال القبيلة، في ظل الوضع الراهن وما شابه من تشوهات لحقت بالقبيلة، قادرة على تأمين هذه الوظائف على نحو كلي وشامل؟

أنا، في حقيقة الأمر، كلياً، مع الإبقاء على القبيلة كمعطى ثقافي له دوره الهام في تشكيل الهوية الوطنية المتعاونة المتسامحة المنفتحة، لا كمعطى سياسي؛ لأن تركيبتها الاجتماعية لا تصل إلى مقام دولة ولا تستطيع استيعاب دولة لتشكيل وطن.

فحضورها الثقافي قد يكون عنصر تميّز ودافع انجاز بعد تمازجه بالبعد التاريخي المهذب والمنقح، ولها دورها في توطيد روابط الوحدة والجماعة ولكن دورها السياسي قد ينتقص من وظيفة الدولة ويكون على حساب هذه الأخيرة مما يشكل إعاقة أمام تطور كيان الدولة / الوطن.

وبالتاكيد أن القبيلة ككل كيان اجتماعي وسياسي أيضا لا تمثل حالة من الاستاتيكية بل تعرف التغيير والنمو والانتقال من مرحلة الى اخرى. لكن هل القبيلة قادرة على مضارعة سرعة التحولات التي تزخر بها العولمة او السوق؟ بالتأكيد لا.

وثمة إشكال جوهري ملازم في حالة القبيلة وهو طبيعة التفكير والتخطيط المتوافر في القبيلة مقارنة بما بتوافر في السوق؛ في القبيلة وبحكم بناءها، لا ترتكز على التفكير الجمعي ولا تشتغل على الاستراتيجيات والمستقبليات، بل انها آنية وظرفية (ما بدا بدينا عليه)، فيما السوق يقوم على مراكز بحثية ودراسات عميقة وهذا الفارق في المنهجية واحدة من مكامن الهشاشة والضعف، وعليه قس الدولة التي تسير بعقلية قبيلة.   
وانا هنا اصرّح اني لست ضد القبيلة لذاتها ولكن ما أخشاه في ظل تكلسنا والتحافنا لمعطيات القبيلة هو ان نترك سوق العمل لمن هم اقدر على اقتحامه ونفاجأ في ان مدننا غدت مليئة بالهنود والصينيين فيما نحن نتنكب البنادق!!!!


*نُشرت المادة في بادية العام 2010 في موقع الاشتراكي نت لكنها باتت غير  متوفرة هناك. 

[1] لقد قيل لنا: ليس من حقكم الذهاب في نفس اليوم الذي جئتم فيه فاعرافنا تنص على أن يوم المغادرة يكون نفس يوم الوصول في اسبوع مختلف؛ أي ينبغي علينا ان نمكث في ضيافتهم اسبوعا أو اسبوعين.  
[2] انظر ا.د. حمود العودي، جدلية العلاقة بين تطور الدولة واستمرار القبيلة (اليمن نموذجاً)، مركز دال للدراسات والانشطة الثقافية والاجتماعية، صنعاء. يناير 2007  
[3] انظر د. مصطفى حجازي، الانسان المهدور(دراسة تحليلية نفسية اجتماعية)، الطبعة الأولى. المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء – بيروت، 2005
[4] انظر د. مصطفى حجازي، مرجع سابق
[5] عن محاضرة في مساق الدراسات السكانية والابحاث الاجتماعية (دبلوم عال) للدكتور حمود العودي، استاذ علم الاجتماع جامعة صنعاء، 2006
[6] وجهة النظر هذه خاصة بالكاتب ومنطلقها ان كلمة العيب في المجتمع اليمني تأخذ بعدا زجريا اكبر من كلمة حرام ذات الصبغة الدينية.
[7] انظر محمد عابد الجابري، العصبية والدولة عند ابن خلدون، مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1992.
[8] انظر د. محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر (العولمة...)، الطبعة الثالثة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2003
[9] انظر. د. جلال امين، العولمةوالتنمية العربية، من حلمة نابيليون إلى جولة الاوروجواي، (تكاليف العولمة المتأخرة، "حالة اليمن")،الطبعة  الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001. ص 67- 72.      

الحب بين علم الاعصاب والعلوم الإنسانية

الحب بين علم الاعصاب والعلوم الإنسانية (مقال مترجم من الفرنسية) ترجمة مصطفى ناجي الجبزي افتتح في شهر أكتوبر من العام المنصرم معرض استث...